فصل: فَصْلٌ: (تَفْرِيدُ الْإِشَارَةِ إِلَى الْحَقِّ):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين (نسخة منقحة)



.فَصْلٌ: [الظَّفَرُ بِحَقِيقَةِ الشَّيْءِ، سَوَاءٌ كَانَ فِي بَابِ الْعِلْمِ أَوْ غَيْرِهِ]:

الظَّفَرُ بِحَقِيقَةِ الشَّيْءِ، إِنْ كَانَ فِي بَابِ الْعِلْمِ وَالْمَعْرِفَةِ فَهُوَ مَعْرِفَةٌ تَجْرِي فَوْقَ حُدُودِ الْعِلْمِ، وَإِنْ كَانَ لِلْمُعَايَنِ كَانَ مُعَايَنَةً، وَهِيَ فَوْقَ الْمَعْرِفَةِ، وَإِنْ كَانَ لِلطَّالِبِ فَهُوَ جَمْعِيَّةٌ لَهُ بِكُلِّهِ عَلَى مَطْلُوبِهِ، وَإِنْ كَانَ لِصَاحِبِ الْجَمْعِ كَانَ جَمْعِيَّةً وُجُودِيَّةً، تُغْنِيهِ عَمَّا سِوَى اللَّهِ تَعَالَى.
قَوْلُهُ هُوَ اسْمٌ لِثَلَاثِ مَعَانٍ، أَوَّلُهَا: وُجُودُ عِلْمٍ لَدُنِّيِّ، يَقْطَعُ عُلُومَ الشَّوَاهِدِ الْعِلْمُ اللَّدُنِّيُّ- عِنْدَهُمْ- هُوَ الْمَعْرِفَةُ، وَسُمِّيَ لَدُنِّيًّا؛ لِأَنَّهُ تَعْرِيفٌ مِنْ تَعْرِيفَاتِ الْحَقِّ، وَارِدٌ عَلَى قَلْبِ الْعَبْدِ، يَقْطَعُ الْوَسَاوِسَ، وَيُزِيلُ الشُّكُوكَ، وَيَحُلُّ مَحَلَّ الْعِيَانِ، فَيَصِيرُ لِصَاحِبِهِ كَالْوِجْدَانِيَّاتِ الَّتِي لَا يُمْكِنُ دَفْعُهَا عَنِ النَّفْسِ، وَلِذَلِكَ قَالَ: يَقْطَعُ عُلُومَ الشَّوَاهِدِ، فَعُلُومُ الشَّوَاهِدِ- عِنْدَهُ- هِيَ عُلُومُ الِاسْتِدْلَالِ، وَهِيَ تَنْقَطِعُ بِوِجْدَانِ هَذَا الْعِلْمِ، أَيْ يَرْتَقِي صَاحِبُهُ عَنْهَا إِلَى مَا هُوَ أَكْمَلُ مِنْهَا، لَا أَنَّهَا يَبْطُلُ حُكْمُهَا، وَيَزُولُ رَسْمُهَا، وَلَكِنْ صَاحِبُ الْوُجُودِ قَدِ ارْتَقَى عَنِ الْعِلْمِ الْحَاصِلِ بِالشَّوَاهِدِ إِلَى الْعِلْمِ الْمُدْرَكِ بِالذَّوْقِ وَالْحِسِّ الْبَاطِنِ.
قَوْلُهُ فِي صِحَّةِ مُكَاشَفَةِ الْحَقِّ إِيَّاكَ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ يَقْطَعُ عُلُومَ الشَّوَاهِدِ أَيْ يَقْطَعُهَا فِي كَوْنِ الْحَقِّ كَشَفَ لَكَ كَشْفًا صَحِيحًا، قَطَعَ عَنْكَ الْحَاجَةَ إِلَى الشَّوَاهِدِ وَالْأَدِلَّةِ.
قَوْلُهُ: وَالثَّانِي: وُجُودُ الْحَقِّ وُجُودَ عَيْنٍ، أَيْ وُجُودَ مُعَايَنَةٍ لَا وُجُودَ خَبَرٍ، وَمُرَادُهُ: مُعَايَنَةُ الْقَلْبِ لَهُ بِحَقِيقَةِ الْيَقِينِ.
قَوْلُهُ مُنْقَطِعًا عَنْ مَسَاغِ الْإِشَارَةِ لَمَّا كَانَتِ الدَّرَجَةُ الْأَوْلَى وُجُودَ عِلْمٍ، وَهَذِهِ وُجُودُ عِيَانٍ: قَامَ الْعِيَانُ فِيهَا مَقَامَ الْإِشَارَةِ، فَأَغْنَى عَنْهَا، فَإِنَّ الْعِلْمَ قَدْ يَكُونُ ضَرُورِيًا، وَقَدْ يَكُونُ نَظَرِيًّا، وَالضَّرُورِيُّ: أَبْعَدُ عَنِ الِالْتِفَاتِ، وَعَنْ تَطَرُّقِ الْآفَاتِ، وَعَدَمِ الْغَفَلَاتِ، فَصَاحِبُهُ يُشَاهِدُ مَعْلُومَهُ بِنُورِ الْبَصِيرَةِ، كَمَا يُشَاهِدُ الْمُبْصِرَاتِ بِنُورِ الْبَصَرِ، وَلَمَّا كَانَتْ مَرْتَبَةُ الْمَعْرِفَةِ فَوْقَ مَرْتَبَةِ الْعِلْمِ عِنْدَهُمْ، وَمَرْتَبَةُ الشُّهُودِ فَوْقَ مَرْتَبَةِ الْمَعْرِفَةِ وَمَرْتَبَةُ الْوُجُودِ فَوْقَ مَرْتَبَةِ الشُّهُودِ، كَانَتِ الْعِبَارَةُ فِي مَرْتَبَةِ الْعِلْمِ وَالْمَعْرِفَةِ، وَالْإِشَارَةُ فِي مَرْتَبَةِ الشُّهُودِ، فَإِنْ وَصَلَ إِلَى مَرْتَبَةِ الْوُجُودِ انْقَطَعَتِ الْإِشَارَاتُ، وَاضْمَحَلَّتِ الْعِبَارَاتُ، فَإِنَّ صَاحِبَ الْوُجُودِ فِي حَضْرَةِ الْوُجُودِ، فَمَا لَهُ وَمَا لِلْإِشَارَةِ؟ إِذِ الْإِشَارَةُ فِي هَذَا الْبَابِ إِنَّمَا تَكُونُ إِلَى غَائِبٍ بِوَجْهٍ مَا.
قَوْلُهُ: وَالثَّالِثُ: وُجُودُ مَقَامِ اضْمِحْلَالِ رَسْمِ الْوُجُودِ فِيهِ بِالِاسْتِغْرَاقِ فِي الْأَوَّلِيَّةِ.
هَذَا كَلَامٌ فِيهِ قَلَقٌ وَتَعْقِيدٌ، وَهُوَ بِاللُّغْزِ أَشْبَهُ مِنْهُ بِالْبَيَانِ.
وَحَقِيقَةُ هَذِهِ الدَّرَجَةِ: أَنَّهَا تَشْغَلُ صَاحِبَهَا بِمَوْجُودِهِ عَنْ إِدْرَاكِ كَوْنِهِ وَاجِدًا، فَلَمْ تَبْقِ فِيهِ بَقِيَّةٌ يَتَفَطَّنُ بِهَا لِكَوْنِهِ مُدْرِكًا لِمَوْجُودِهِ، لِاسْتِيلَائِهِ عَلَى قَلْبِهِ، فَقَدْ قَهَرَهُ وَمَحَقَهُ عَنْ شُعُورِهِ بِكَوْنِهِ وَاجِدًا لِمَوْجُودِهِ، فَهُوَ حَاضِرٌ مَعَ الْحَقِّ، غَائِبٌ عَنْ كُلِّ مَا سِوَاهُ.
فَالدَّرَجَةُ الْأُولَى: وُجُودُ عِلْمٍ، وَالثَّانِيَةُ: وُجُودُ عِيَانٍ، وَالثَّالِثَةُ: وُجُودُ مَقَامٍ اضْمَحَلَّ فِيهِ مَا سِوَى الْمَوْجُودِ، وَهَذَا مَعْنَى اضْمِحْلَالِ رَسْمِ الْوُجُودِ فِيهِ، وَلِهَذَا قَالَ: بِالِاسْتِغْرَاقِ فِي الْأَوَّلِيَّةِ، فَإِنَّهُ إِذَا اسْتَغْرَقَ فِي شُهُودِ الْأَوَّلِيَّةِ اضْمَحَلَّ فِي هَذَا الشُّهُودِ كُلُّ حَادِثٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

.فَصْلٌ: التَّجْرِيدُ:

قَالَ: بَابُ التَّجْرِيدِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ} التَّجْرِيدُ: انْخِلَاعٌ عَنْ شُهُودِ الشَّوَاهِدِ، وَهُوَ عَلَى ثَلَاثِ دَرَجَاتٍ، الدَّرَجَةُ الْأُولَى: تَجْرِيدُ عَيْنِ الْكَشْفِ عَنْ كَسْبِ الْيَقِينِ، وَالدَّرَجَةُ الثَّانِيَةُ: تَجْرِيدُ عَيْنِ الْجَمْعِ عَنْ دَرْكِ الْعِلْمِ، وَالدَّرَجَةُ الثَّالِثَةُ: تَجْرِيدُ الْخَلَاصِ مِنْ شُهُودِ التَّجْرِيدِ.
وَجْهُ الْإِشَارَةِ بِالْآيَةِ- وَلَيْسَ هُوَ تَفْسِيرَهَا وَلَا الْمُرَادَ بِهَا- أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَمَرَ مُوسَى أَنْ يَخْلَعَ نَعْلَيْهِ عِنْدَ دُخُولِهِ ذَلِكَ الْوَادِي الْمُقَدَّسِ، إِمَّا لِتَنَالَ إِخْمَصُ قَدَمَيْهِ بِرْكَةَ الْوَادِي، وَإِمَّا لِأَنَّهُمَا كَانَتَا مِمَّا لَا يَصْلُحُ أَنْ يُبَاشِرَ ذَلِكَ الْمَكَانَ بِهِمَا، قِيلَ: إِنَّهُمَا كَانَتَا مِنْ جِلْدِ حِمَارٍ غَيْرِ مُذَكًّى، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَهُوَ أَمْرٌ بِالتَّجَرُّدِ مِنَ النَّعْلَيْنِ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ، وَتِلْكَ الْحَالِ.
وَمَوْضِعُ الْإِشَارَةِ: أَنَّهُ أَمَرَ مُوسَى بِالتَّجَرُّدِ مِنْ نَعْلَيْهِ عِنْدَ دُخُولِ الْوَادِي، فَعَلِمَ أَنَّ التَّجَرُّدَ شَرْطٌ فِي الدُّخُولِ فِيمَا لَا يَصْلُحُ الدُّخُولُ فِيهِ إِلَّا بِالتَّجَرُّدِ.
وَعَلَى هَذَا، فَيُقَالُ لِمَنْ أَرَادَ الْوُصُولَ إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَالدُّخُولَ عَلَيْهِ: اخْلَعْ مِنْ قَلْبِكَ مَا سِوَاهُ، وَادْخُلْ عَلَيْهِ، وَأَوَّلُ قَدَمٍ يُدْخَلُ بِهَا فِي الْإِسْلَامِ: أَنْ يَخْلَعَ الْأَنْدَادَ وَالْأَوْثَانَ الَّتِي تُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ، وَيَتَجَرَّدَ مِنْهَا، فَكَأَنَّهُ قِيلَ لَهُ: اطْرَحْ عَنْكَ مَا لَا يَكُونُ صَالِحًا لِلْوَطْءِ بِهِ عَلَى هَذَا الْبِسَاطِ، أَوْ لِأَنَّ ذَلِكَ الْوَادِيَ لَمَّا كَانَ مِنْ أَشْرَفِ الْأَوْدِيَةِ وَأَطْهَرِهَا- وَلِذَلِكَ اخْتَارَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَلَى غَيْرِهِ مِنَ الْأَوْدِيَةِ لِتَكْلِيمِ نَبِيِّهِ وَكَلِيمِهِ- فَأَمَرَهُ سُبْحَانَهُ أَنْ يُعَظِّمَ ذَلِكَ الْوَادِي بِالْوَطْءِ فِيهِ حَافِيًا، كَمَا يُوطَأُ بِسَاطُ الْمَلِكِ، وَصَارَ ذَلِكَ سُنَّةً فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي مَوَاضِعِ صَلَوَاتِهِمْ وَكَنَائِسِهِمْ، وَشَرِيعَتُنَا جَاءَتْ بِخِلَافِ ذَلِكَ، فَصَلَّى النَّبِيُّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي النَّعْلَيْنِ، وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يُصَلُّوا فِي نِعَالِهِمْ، وَقَالَ: إِنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى لَا يُصَلُّونَ فِي نِعَالِهِمْ فَخَالِفُوهُمْ فَالسُنَّةُ فِي دِينِنَا: الصَّلَاةُ فِي النِّعَالِ، نَصَّ عَلَيْهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَقِيلَ لَهُ: أَيُصَلِّي الرَّجُلُ فِي نَعْلَيْهِ؟ فَقَالَ: إِي وَاللَّهِ.

.فَصْلٌ: [دَرَجَاتُ التَّجْرِيدِ]:

.[الدَّرَجَةُ الْأُولَى تَجْرِيدُ عَيْنِ الْكَشْفِ عَنْ كَسْبِ الْيَقِينِ]:

قَوْلُهُ: التَّجْرِيدُ دَرَجَاتُهُ: الِانْخِلَاعُ عَنْ شُهُودِ الشَّوَاهِدِ، وَالشَّوَاهِدُ عِنْدَهُ: هِيَ مَا سِوَى الْحَقِّ سُبْحَانَهُ، وَالِانْخِلَاعُ عَنِ الشُّهُودِ هُوَ غَيْبَةُ الشَّاهِدِ بِمَشْهُودِهِ عَنْ شُهُودِهِ، وَذَلِكَ يَكُونُ فِي مَقَامِ الْمُعَايَنَةِ: فَإِنَّهُ لَا يَنْخَلِعُ عَنْ شُهُودِ الشَّوَاهِدِ إِلَّا إِذَا كَانَ مُعَايِنًا لِلْمَشْهُودِ.
قَوْلُهُ: الدَّرَجَةُ الْأُولَى: تَجْرِيدُ عَيْنِ الْكَشْفِ عَنْ كَسْبِ الْيَقِينِ، أَيْ تَجْرِيدُ حَقِيقَةِ الْكَشْفِ عَنْ كَسْبِ الْيَقِينِ، أَيْ يَعْزِلُ مَا اكْتَسَبَهُ مِنَ الْيَقِينِ الْعِلْمِيِّ بِالْكَشْفِ الْحَقِيقِيِّ، فَتَجَرُّدُ الْكَشْفِ: أَنْ يُخَلِّصَهُ وَيُعَرِّيَهُ عَنِ الِالْتِفَاتِ إِلَى الْيَقِينِ، فَيَعْزِلَ مَا اكْتَسَبَهُ مِنَ الْيَقِينِ الْعِلْمِيِّ بِالْكَشْفِ الْحَقِيقِيِّ.

.فَصْلٌ: [الدَّرَجَةُ الثَّانِيَةُ تَجْرِيدُ عَيْنِ الْجَمْعِ عَنْ دَرْكِ الْعِلْمِ]:

قَالَ: الدَّرَجَةُ الثَّانِيَةُ: تَجْرِيدُ عَيْنِ الْجَمْعِ عَنْ دَرْكِ الْعِلْمِ.
عَيْنُ الْجَمْعِ هِيَ حَقِيقَةُ الْجَمْعِ، وَتَجْرِيدُهُ هُوَ أَنْ لَا يَشْهَدَ لِلْعِلْمِ فِيهَا آثَارًا، فَإِنَّ الْعِلْمَ مِنْ آثَارِ الرُّسُومِ، وَحَقِيقَةُ الْجَمْعِ تَمْحُو الرُّسُومَ، فَصَاحِبُ هَذِهِ الدَّرَجَةِ أَبَدًا فِي تَجَرُّدٍ وَتَجْرِيدٍ، وَالدَّرْكُ هُوَ الْإِدْرَاكُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ أَنَّ دَرَجَةَ الْعِلْمِ أَسْفَلُ مِنْ دَرَجَةِ عَيْنِ الْجَمْعِ، فَيُجَرَّدُ الْجَمْعُ عَنِ الدَّرَجَةِ الَّتِي هِيَ أَسْفَلُ مِنْهُ، وَقَدِ اعْتَرَفُوا بِأَنَّ هَذَا حَالُ الْمُوَلَّهِينَ فِي الِاسْتِغْرَاقِ فِي الْجَمْعِ.
وَلَعَمْرُ اللَّهِ إِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِكَمَالٍ، وَهُوَ أَصْلٌ مِنْ أُصُولِ الِانْحِلَالِ، فَإِنَّهُ إِذَا تَجَرَّدَ مِنَ الْعِلْمِ وَمَا يُوجِبُهُ؛ فَقَدْ خَرَجَ مِنَ النُّورِ الَّذِي يَكْشِفُ لَهُ الْحَقَائِقَ، وَيُمَيِّزُ لَهُ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، وَالصَّحِيحِ وَالْفَاسِدِ، فَالْكَشْفُ وَشُهُودُ الْحَقِيقَةِ إِذَا تَجَرَّدَ عَنِ الْعِلْمِ: فَقَدْ يَنْسَلِخُ صَاحِبُهُ عَنْ أَصْلِ الْإِيمَانِ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ.
وَأَحْسَنُ مِنْ هَذَا أَنْ يُقَالَ: هُوَ تَجْرِيدُ الْجَمْعِ عَنِ الْوُقُوفِ مَعَ مُجَرَّدِ الْعِلْمِ، فَلَا يَرْضَى بِالْعِلْمِ عَنْ مَقَامِ جَمْعِيَّةِ حَالِهِ وَقَلْبِهِ وَهَمِّهِ عَلَى اللَّهِ، بَلْ يَرْتَقِي مِنْ دَرَجَةِ الْعِلْمِ إِلَى دَرَجَةِ الْجَمْعِ مُصَاحِبًا لِلْعِلْمِ، غَيْرَ مُفَارِقٍ لِأَحْكَامِهِ، وَلَا جَاعِلٍ لَهُ غَايَةً يَقِفُ عِنْدَهَا.

.فَصْلٌ: [الدَّرَجَةُ الثَّالِثَةُ تَجْرِيدُ الْخَلَاصِ مِنْ شُهُودِ التَّجْرِيدِ]:

قَوْلُهُ: الدَّرَجَةُ الثَّالِثَةُ: تَجْرِيدُ الْخَلَاصِ مِنْ شُهُودِ التَّجْرِيدِ.
يَعْنِي: أَنْ لَا يَشْهَدَ تَجْرِيدَهُ لِمَنْ يُجَرِّدُهُ مِنْ صِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ، وَصَاحِبُ هَذِهِ الدَّرَجَةِ دَائِمًا قَدْ فَنِيَ عَمَّا سِوَى الْحَقِّ تَعَالَى، فَكَيْفَ يَتَّسِعُ مَعَ ذَلِكَ لِشُهُودِ وَصْفِهِ وَفِعْلِهِ؟ بَلْ أَفْنَاهُ تَجْرِيدُهُ عَنْ شُهُودِ تَجْرِيدِهِ.

.فَصْلٌ: التَّفْرِيدُ:

قَالَ صَاحِبُ الْمَنَازِلِ: بَابُ التَّفْرِيدِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ} التَّفْرِيدُ: اسْمٌ لِتَخْلِيصِ الْإِشَارَةِ إِلَى الْحَقِّ، ثُمَّ بِالْحَقِّ، ثُمَّ عَنِ الْحَقِّ.
الشَّيْخُ جَعَلَ التَّفْرِيدَ عَيْنَ التَّجْرِيدِ وَجَعَلَهُ بَعْدَهُ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا التَّجْرِيدُ وَالتَّفْرِيدُ: أَنَّ التَّجْرِيدَ انْقِطَاعٌ عَنِ الْأَغْيَارِ، وَالتَّفْرِيدَ إِفْرَادُ الْحَقِّ بِالْإِيثَارِ، فَالتَّفْرِيدُ مُتَعَلِّقٌ بِالْمَعْبُودِ، وَالتَّجْرِيدُ مُتَعَلِّقٌ بِالْعُبُودِيَّةِ، وَجَعَلَهُ ثَلَاثَ دَرَجَاتٍ التَّفْرِيدُ: تَخْلِيصُ الْإِشَارَةِ إِلَى الْحَقِّ، ثُمَّ بِهِ، ثُمَّ عَنْهُ، فَهَاهُنَا أَمْرَانِ، أَحَدُهُمَا: تَخْلِيصُ الْإِشَارَةِ، وَالثَّانِي: مُتَعَلِّقُ الْإِشَارَةِ.
فَأَمَّا تَخْلِيصُهَا: فَهُوَ تَجْرِيدُهَا مِمَّا يُمَازِجُهَا وَيُخَالِطُهَا، وَأَمَّا مُتَعَلِّقُهَا، فَثَلَاثَةُ أُمُورٍ: الْإِشَارَةُ إِلَى الْحَقِّ، وَبِهِ، وَعَنْهُ، فَالْإِشَارَةُ إِلَيْهِ: غَايَةٌ، وَالْإِشَارَةُ بِهِ: وُجُودٌ، وَالْإِشَارَةُ عَنْهُ: إِخْبَارٌ وَتَبْلِيغٌ، فَمَنْ خَلَصَتْ إِشَارَتُهُ إِلَى الْحَقِّ كَانَ مِنَ الْمُخْلَصِينَ، وَمَنْ كَانَتْ إِشَارَتُهُ بِهِ فَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ، وَمَنْ كَانَتْ إِشَارَتُهُ عَنْهُ فَهُوَ مِنَ الْمُبَلِّغِينَ، وَمَنِ اجْتَمَعَتْ لَهُ الثَّلَاثَةُ فَهُوَ مِنَ الْأَئِمَّةِ الْعَارِفِينَ، فَالْكَمَالُ أَنْ تُشِيرَ إِلَيْهِ بِهِ عَنْهُ، فَتَخْلِيصُ الْإِشَارَةِ إِلَيْهِ هُوَ حَقِيقَةُ الْمُتَابَعَةِ، وَذَلِكَ هُوَ مَحْضُ الصِّدِّيقِيَّةِ، فَمَتَى اجْتَمَعَتْ هَذِهِ الثَّلَاثَةُ فِي الْعَبْدِ، فَقَدْ خُلِعَتْ عَلَيْهِ خِلْعَةُ الصِّدِّيقِيَّةِ، فَمَا كُلُّ مَنْ أَشَارَ إِلَى اللَّهِ أَشَارَ بِهِ، وَلَا كُلُّ مَنْ أَشَارَ بِهِ أَشَارَ عَنْهُ، وَالرُّسُلُ- صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ- أَجْمَعِينَ- هُمُ الَّذِينَ كَمَّلُوا الْمَرَاتِبَ الثَّلَاثَةَ، فَخَلَصَتْ إِشَارَتُهُمْ إِلَى اللَّهِ وَبِهِ وَعَنْهُ مِنْ كُلِّ شَائِبَةٍ، ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ عَلَى مِنْهَاجِهِمْ، وَمَا أَكْثَرَ مَا تُشَبَّهُ الْإِشَارَةُ إِلَى اللَّهِ وَبِهِ بِالْإِشَارَةِ إِلَى النَّفْسِ وَالْإِشَارَةِ بِهَا، فَيُشِيرُ إِلَى نَفْسِهِ بِنَفْسِهِ، ظَانًّا أَنَّ إِشَارَتَهُ بِاللَّهِ وَإِلَى اللَّهِ، وَلَا يُمَيِّزُ بَيْنَ هَذَا وَهَذَا إِلَّا خَوَاصُّ الْعَارِفِينَ، الْفُقَهَاءُ فِي مَعْرِفَةِ الطَّرِيقِ وَالْمَقْصُودِ، وَهَاهُنَا انْقَطَعَ مَنِ انْقَطَعَ وَاتَّصَلَ مَنِ اتَّصَلَ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ! كَمْ مَنْ تَنَوَّعَ فِي الْإِشَارَةِ، وَبَالَغَ وَدَقَّقَ، وَحَقَّقَ، وَلَمْ تَعْدُ إِشَارَتُهُ نَفْسَهُ، وَهُوَ لَا يَعْلَمُ، أَشَارَ بِنَفْسِهِ وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ أَشَارَ بِرَبِّهِ، وَإِنَّ فَلَتَاتِ لِسَانِهِ وَرَائِحَةَ كَلَامِهِ لَتُنَادِي عَلَيْهِ: أَنَا، وَبِي، وَعَنِّي.
فَإِذَا خَلَصَتِ الْإِشَارَةُ- بِاللَّهِ، وَعَنِ اللَّهِ- مِنْ جَمِيعِ الشَّوَائِبِ؛ كَانَتْ مُتَّصِلَةً بِاللَّهِ، خَالِصَةً لَهُ، مَقْبُولَةً لَدَيْهِ، رَاضِيًا بِهَا، وَعَلَى هَذَا كَانَ حِرْصُ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ، لَا عَلَى كَثْرَةِ الْعَمَلِ، وَلَا عَلَى تَدْقِيقِ الْإِشَارَةِ، كَمَا قَالَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ: لَوْ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ قَبِلَ مِنِّي عَمَلًا وَاحِدًا؛ لَمْ يَكُنْ غَائِبٌ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنَ الْمَوْتِ، وَلَيْسَ هَذَا عَلَى مَعْنَى أَنَّ أَعْمَالَهُ كَانَتْ لِغَيْرِ اللَّهِ، أَوْ عَلَى غَيْرِ سُنَّةِ رَسُولِهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَشَأْنُ الْقَوْمِ كَانَ أَجَلَّ مِنْ ذَلِكَ، وَلَكِنْ عَلَى تَخْلِيصِ الْأَعْمَالِ مِنْ شَوَائِبِ النُّفُوسِ، وَمُشَارَكَاتِ الْحُظُوظِ، فَكَانُوا يَخَافُونَ- لِكَمَالِ عِلْمِهِمْ بِاللَّهِ وَحُقُوقِهِ عَلَيْهِمْ- أَنَّ أَعْمَالَهُمْ لَمْ تَخْلُصْ مِنْ شَوَائِبِ حُظُوظِهِمْ، وَمُشَارَكَاتِ أَنْفُسِهِمْ، بِحَيْثُ تَكُونُ مُتَمَحِّصَةً لِلَّهِ وَبِاللَّهِ، وَمَأْخُوذَةً عَنِ اللَّهِ، فَمَنْ وَصَلَ لَهُ عَمَلٌ وَاحِدٌ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ؛ وَصَلَ إِلَى اللَّهِ، وَاللَّهُ تَعَالَى شَكُورٌ، إِذَا رَضِيَ مِنَ الْعَبْدِ عَمَلًا مِنْ أَعْمَالِهِ نَجَّاهُ، وَأَسْعَدَهُ بِهِ، وَثَمَّرَهُ لَهُ، وَبَارَكَ لَهُ فِيهِ، وَأَوْصَلَهُ بِهِ إِلَيْهِ، وَأَدْخَلَهُ بِهِ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَقْطَعْهُ بِهِ عَنْهُ، فَمَا أَكْثَرَ الْمُنْقَطِعِينَ بِالْإِشَارَةِ عَنِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ، وَبِالْعِبَادَةِ عَنِ الْمَعْبُودِ، وَبِالْمَعْرِفَةِ عَنِ الْمَعْرُوفِ؟ فَتَكُونُ الْإِشَارَاتُ وَالْمَعَارِفُ قِبْلَةَ قَلْبِهِ، وَغَايَةَ قَصْدِهِ، فَيَتَغَذَّى بِهَا، وَيَجِدُ مِنَ الْأُنْسِ بِهَا وَالذَّوْقِ وَالْوَجْدِ مَا يَسْكُنُ قَلْبُهُ إِلَيْهِ، وَيَطْمَئِنُّ بِهِ، وَيَظُنُّ أَنَّهُ الْغَايَةُ الْمَطْلُوبَةُ، فَيَصِيرُ قَلْبُهُ مَحْبُوسًا عَنْ رَبِّهِ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ، وَتَصِيرُ نَفْسُهُ رَاتِعَةً فِي رِيَاضِ الْعُلُومِ وَالْمَعَارِفِ وَاجِدَةً لَهَا، وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ قَدْ وَصَلَ وَاتَّصَلَ، وَعَلَى مَنْزِلِ الْوُجُودِ حَصَلَ، فَهُوَ دَقِيقُ الْإِشَارَةِ، لَطِيفُ الْعِبَارَةِ، فَفِيهِ فِي مَسَائِلِ السُّلُوكِ، وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ لَمْ يَنْكَشِفْ عَنْهُ، وَإِنَّمَا يَرْتَفِعُ هَذَا الْحِجَابُ بِحَالِ التَّجْرِيدِ وَالتَّفْرِيدِ، لَا بِمُجَرَّدِ عِلْمِ ذَلِكَ، فَبِتَفْرِيدِ الْمَعْبُودِ الْمَطْلُوبِ الْمَقْصُودِ عَنْ غَيْرِهِ، وَبِتَجْرِيدِ الْقَصْدِ وَالطَّلَبِ، وَالْإِرَادَةِ وَالْمَحَبَّةِ، وَالْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ وَالْإِنَابَةِ وَالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ وَاللَّجَأِ إِلَيْهِ عَنِ الْحُظُوظِ وَإِرَادَاتِ النَّفْسِ، فَيَنْكَشِفُ عَنِ الْقَلْبِ حِجَابُهُ، وَيَزُولُ عَنْهُ ظَلَامُهُ، وَيَطْلُعُ فِيهِ فَجْرُ التَّوْحِيدِ، وَتَبْزُغُ فِيهِ شَمْسُ الْيَقِينِ، وَتَسْتَنِيرُ لَهُ الطَّرِيقُ الْغَرَّاءُ، وَالْمَحَجَّةُ الْبَيْضَاءُ الَّتِي لِيَلُهَا كَنَهَارِهَا.

.فَصْلٌ: [تَفْرِيدُ الْإِشَارَةِ إِلَى الْحَقِّ]:

قَالَ: فَأَمَّا تَفْرِيدُ الْإِشَارَةِ إِلَى الْحَقِّ: فَعَلَى ثَلَاثِ دَرَجَاتٍ: تَفْرِيدُ الْقَصْدِ عَطَشًا، ثُمَّ تَفْرِيدُ الْمَحَبَّةِ تَلَفًا، ثُمَّ تَفْرِيدُ الشُّهُودِ اتِّصَالًا.
ذَكَرَ فِي هَذِهِ الدَّرَجَةِ ثَلَاثَةَ أُمُورٍ: تَفْرِيدَ الْقَصْدِ، وَالْمَحَبَّةِ، وَالشُّهُودِ، فَالْقَصْدُ بِدَايَةٌ، وَالشُّهُودُ نِهَايَةٌ وَالْمَحَبَّةُ وَاسِطَةٌ، فَيُفْرِدُ قَصْدَهُ وَحُبَّهُ وَشُهُودَهُ، وَذَلِكَ يَتَضَمَّنُ إِفْرَادَ مَطْلُوبِهِ وَمَحْبُوبِهِ وَمَشْهُودِهِ، فَيَكُونُ فَرْدًا لِفَرْدٍ، فَلَا يَنْقَسِمُ طَلَبُهُ، وَلَا حُبُّهُ، وَلَا شُهُودُهُ، وَلَا يَنْقَسِمُ مَطْلُوبُهُ وَمَحْبُوبُهُ وَمَشْهُودُهُ، فَتَفْرِيدُ الطَّلَبِ وَالْمَحَبَّةِ وَالشُّهُودِ صِدْقٌ، وَتَفْرِيدُ الْمَطْلُوبِ وَالْمَحْبُوبِ وَالْمَشْهُودِ إِخْلَاصٌ.
فَالصِّدْقُ وَالْإِخْلَاصُ: هُوَ أَنْ تَبْذُلَ كُلَّكَ لِمَحْبُوبِكَ وَحْدَهُ، ثُمَّ تَحْتَقِرُ مَا بَذَلْتَ فِي جَنْبِ مَا يَسْتَحِقُّهُ، ثُمَّ لَا تَنْظُرُ إِلَى بَذْلِكَ.
وَقَيَّدَ تَفْرِيدَ الْقَصْدِ بِالْعَطَشِ، وَتَفْرِيدَ الْمَحَبَّةِ بِالتَّلَفِ، وَتَفْرِيدَ الشُّهُودِ بِالِاتِّصَالِ، وَالْعَطَشُ- كَمَا قَالَ- هُوَ غَلَبَةُ وُلُوعٍ بِمَأْمُولٍ؟ وَالتَّلَفُ: هُوَ الْمَحَبَّةُ الْمُهْلِكَةُ، وَالِاتِّصَالُ: سُقُوطُ الْأَغْيَارِ عَنْ دَرَجَةِ الِاعْتِبَارِ، فَهَذَا حُكْمُ التَّفْرِيدِ فِي الدَّرَجَةِ الْأُولَى.

.[تَفْرِيدُ الْإِشَارَةِ بِالْحَقِّ]:

قَالَ: وَأَمَّا تَفْرِيدُ الْإِشَارَةِ بِالْحَقِّ: فَعَلَى ثَلَاثِ دَرَجَاتٍ، تَفْرِيدُ الْإِشَارَةِ بِالِافْتِخَارِ بَوْحًا، وَتَفْرِيدُ الْإِشَارَةِ بِالسُّلُوكِ مُطَالَعَةً، وَتَفْرِيدُ الْإِشَارَةِ بِالْقَبْضِ غَيْرَةً.
ذَكَرَ أَيْضًا فِي هَذِهِ الدَّرَجَةِ ثَلَاثَةَ أُمُورٍ: الِافْتِخَارَ، وَالسُّلُوكَ، وَالْقَبْضَ، فَالِافْتِخَارُ نَوْعَانِ: مَذْمُومٌ، وَمَحْمُودٌ، فَالْمَذْمُومُ: إِظْهَارُ مَرْتَبَتِهِ عَلَى أَبْنَاءِ جِنْسِهِ تَرَفُّعًا عَلَيْهِمْ، وَهَذَا غَيْرُ مُرَادٍ، وَالْمَحْمُودُ: إِظْهَارُ الْأَحْوَالِ السَّنِيَّةِ، وَالْمَقَامَاتِ الشَّرِيفَةِ، بَوْحًا بِهَا، أَيْ تَصْرِيحًا وَإِعْلَانًا، لَا عَلَى وَجْهِ الْفَخْرِ، بَلْ عَلَى وَجْهِ تَعْظِيمِ النِّعْمَةِ، وَالْفَرَحِ بِهَا، وَذِكْرِهَا، وَنَشْرِهَا، وَالتَّحَدُّثِ بِهَا، وَالتَّرْغِيبِ فِيهَا وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَقَاصِدِ فِي إِظْهَارِهَا، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ وَلَا فَخْـرَ وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الْأَرْضُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْـرَ وَأَنَا أَوَّلُ شَافِعٍ وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ وَلَا فَخْـرَ وَقَالَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَا أَوَّلُ مَنْ رَمَى بِسَهْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَقَالَ أَبُو ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَقَدْ أَتَى عَلَيَّ كَذَا وَكَذَا وَإِنِّي لِثَالِثُ الْإِسْلَامِ، وَقَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إِنَّهُ لَعَهْدُ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ إِلَيَّ: أَنَّهُ لَا يُحِبُّنِي إِلَّا مُؤْمِنٌ، وَلَا يُبْغِضُنِي إِلَّا مُنَافِقٌ، وَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: وَافَقْتُ رَبِّي فِي ثَلَاثٍ، وَقَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- وَأَشَارَ إِلَى صَدْرِهِ: إِنَّ هَاهُنَا عِلْمًا جَمًّا، لَوْ أَصَبْتُ لَهُ حَمَلَةً، وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَخَذْتُ مِنْ فِي رَسُولِ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- سَبْعِينَ سُورَةً، وَإِنَّ زَيْدًا لَيَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ، وَقَالَ أَيْضًا: مَا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ آيَةٌ إِلَّا وَأَنَا أَعْلَمُ أَيْنَ نَزَلَتْ؟ وَمَاذَا أُرِيدَ بِهَا؟ وَلَوْ أَعْلَمُ أَنَّ أَحَدًا أَعْلَمُ بِكِتَابِ اللَّهِ مِنِّي تَبْلُغُهُ الْإِبِلُ لَرَحَلْتُ إِلَيْهِ، وَقَالَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ: لَأَنْ تَخْتَلِفُ فِيَّ الْأَسِنَّةُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُحَدِّثَ نَفْسِي فِي الصَّلَاةِ بِغَيْرِ مَا أَنَا فِيهِ، وَهَذَا أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُذْكَرَ.
وَالصَّادِقُ تَخْتَلِفُ عَلَيْهِ الْأَحْوَالُ، فَتَارَةً يَبُوحُ بِمَا أَوْلَاهُ رَبُّهُ، وَمَنَّ بِهِ عَلَيْهِ، لَا يُطِيقُ كِتْمَانَ ذَلِكَ، وَتَارَةً يُخْفِيهِ وَيَكْتُمُهُ، لَا يُطِيقُ إِظْهَارَهُ، فَتَارَةً يَقْبِضُ، وَتَارَةً يَبْسُطُ وَيَنْشَطُ، وَتَارَةً يَجِدُ لِسَانًا قَائِلًا لَا يَسْكُتُ، وَتَارَةً لَا يَقْدِرُ أَنْ يَنْطِقَ بِكَلِمَةٍ، وَتَارَةً تَجِدُهُ ضَاحَكًا مَسْرُورًا، وَتَارَةً بَاكِيًا حَزِينًا، وَتَارَةً يَجِدُ جَمْعِيَّةً لَا سَبِيلَ لِلتَّفْرِقَةِ عَلَيْهَا، وَتَارَةً تَفْرِقَةً لَا جَمْعِيَّةَ مَعَهَا، وَتَارَةً يَقُولُ: وَاطَرَبَاهُ! وَأُخْرَى يَقُولُ: وَاحَرْبَاهُ! بِخِلَافِ مَنْ هُوَ عَلَى لَوْنٍ وَاحِدٍ لَا يُوجَدُ عَلَى غَيْرِهِ، فَهَذَا لَوْنٌ وَالصَّادِقُ لَوْنٌ.
قَوْلُهُ: وَتَفْرِيدُ الْإِشَارَةِ بِالسُّلُوكِ مُطَالَعَةً، أَيْ تَجْرِيدُ الْإِشَارَةِ إِلَى الْمَطْلُوبِ بِالسُّلُوكِ اطِّلَاعًا عَلَى حَقَائِقِهِ.
قَوْلُهُ: وَتَفْرِيدُ الْإِشَارَةِ بِالْقَبْضِ غَيْرَةً، أَيْ تَخْلِيصُ الْإِشَارَةِ إِلَى الْمَطْلُوبِ بِالْقَبْضِ غَيْرَةً عَلَيْهِ.
وَالْمَقْصُودُ: أَنَّهُ تَارَةً يُفْرِدُ إِشَارَتَهُ بِمَا أَوْلَاهُ الْحَقُّ، لَا يَكْتُمُهُ وَلَا يُخْفِيهِ، وَتَارَةً يُفْرِدُ إِشَارَتَهُ بِحَقَائِقِ السُّلُوكِ اطِّلَاعًا عَلَيْهَا، وَإِطْلَاعًا لِغَيْرِهِ، وَتَارَةً يُشِيرُ بِالْقَبْضِ غَيْرَةً وَتَسَتُّرًا، فَيُشِيرُ بِالِافْتِخَارِ تَارَةً، وَبِالِاطِّلَاعِ تَارَةً، وَبِالْقَبْضِ تَارَةً.
فَافْتِخَارُهُ بِالْمُنْعِمِ وَنِعَمِهِ، لَا بِنَفْسِهِ وَصِفَتِهِ، وَإِطْلَاعُهُ لِغَيْرِهِ: تَعْلِيمٌ وَإِرْشَادٌ وَتَبْصِيرٌ، وَقَبَضُهُ غَيْرَةٌ وَسَتْرٌ، وَحَقِيقَةُ الْأَمْرِ مَا ذَكَرْنَاهُ: أَنَّ الصَّادِقَ بِحَسَبِ دَوَاعِي صِدْقِهِ وَحَالِهِ مَعَ اللَّهِ، وَحُكْمِ وَقْتِهِ وَمَا أُقِيمُ فِيهِ.

.فَصْلٌ: [تَفْرِيدُ الْإِشَارَةِ عَنِ الْحَقِّ]:

قَوْلُهُ: وَأَمَّا تَفْرِيدُ الْإِشَارَةِ عَنِ الْحَقِّ: فَانْبِسَاطٌ بِبَسْطِ ظَاهِرٍ: يَتَضَمَّنُ قَبْضًا خَالِصًا، لِلْهِدَايَةِ إِلَى الْحَقِّ، وَالدَّعْوَةِ إِلَيْهِ، يُرِيدُ أَنَّ صَاحِبَ هَذِهِ الْإِشَارَةِ مُنْبَسِطٌ بَسْطًا ظَاهِرًا، مَعَ أَنَّ بَاطِنَهُ مَجْمُوعٌ عَلَى اللَّهِ، وَهُوَ الْقَبْضُ الْخَالِصُ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ، فَهُوَ فِي بَاطِنِهِ مَقْبُوضٌ، لِمَا هُوَ فِيهِ مِنْ جَمْعِيَّتِهِ عَلَى اللَّهِ، وَفِي ظَاهِرِهِ مَبْسُوطٌ مَعَ الْخَلْقِ بَسْطًا ظَاهِرًا لِقُوَّتِهِ، قَصْدًا لِهِدَايَتِهِمْ إِلَى الْحَقِّ سُبْحَانَهُ، وَدَعْوَتِهِمْ إِلَيْهِ.
وَحَاصِلُ الْأَمْرِ: أَنَّهُ مَبْسُوطٌ بِظَاهِرِهِ لِدَعْوَةِ الْخَلْقِ إِلَى اللَّهِ، وَمَقْبُوضٌ بِبَاطِنِهِ عَمَّا سِوَى اللَّهِ، فَظَاهِرُهُ مُنْبَسِطٌ مَعَ الْخَلْقِ، وَبَاطِنُهُ مُنْقَبِضٌ عَنْهُمْ، لِقُوَّةِ تَعَلُّقِهِ بِاللَّهِ وَاشْتِغَالِهِ بِهِ عَنْهُمْ، فَهُوَ كَائِنٌ بَائِنٌ، دَاخِلٌ خَارِجٌ، مُتَّصِلٌ مُنْفَصِلٌ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} فَأَمَرَهُ بِتَجْرِيدِ الدَّعْوَةِ إِلَيْهِ، وَتَجْرِيدِ عُبُودِيَّتِهِ وَحْدَهُ، وَهَذَانِ هُمَا أَصْلَا الدِّينِ، وَعَلَيْهِمَا مَدَارُهُ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.

.فَصْلٌ: الْجَمْـعُ:

قَالَ: بَابُ الْجَمْعِ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى}.
قُلْتُ: اعْتَقَدَ جَمَاعَةٌ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْآيَةِ: سَلْبُ فِعْلِ الرَّسُولِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَنْهُ، وَإِضَافَتُهُ إِلَى الرَّبِّ تَعَالَى، وَجَعَلُوا ذَلِكَ أَصْلًا فِي الْجَبْرِ، وَإِبْطَالِ نِسْبَةِ الْأَفْعَالِ إِلَى الْعِبَادِ، وَتَحْقِيقِ نِسْبَتِهَا إِلَى الرَّبِّ وَحْدَهُ، وَهَذَا غَلَطٌ مِنْهُمْ فِي فَهْمِ الْقُرْآنِ، فَلَوْ صَحَّ ذَلِكَ لَوَجَبَ طَرْدُهُ فِي جَمِيعِ الْأَعْمَالِ، فَيُقَالُ: مَا صَلَّيْتَ إِذْ صَلَّيْتَ، وَمَا صُمْتَ إِذْ صُمْتَ، وَمَا ضَحَّيْتَ إِذْ ضَحَّيْتَ، وَلَا فَعَلْتَ كُلَّ فِعْلٍ إِذْ فَعَلْتَهُ، وَلَكِنَّ اللَّهَ فَعَلَ ذَلِكَ، فَإِنْ طَرَدُوا ذَلِكَ لَزِمَهُمْ فِي جَمِيعِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ- طَاعَتِهِمْ وَمَعَاصِيهِمْ- إِذْ لَا فَرْقَ، فَإِنْ خَصُّوهُ بِالرَّسُولِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَحْدَهُ وَأَفْعَالِهِ جَمِيعِهَا، أَوْ رَمْيِهِ وَحْدَهُ؛ تَنَاقَضُوا، فَهَؤُلَاءِ لَمْ يُوَفَّقُوا لِفَهْمِ مَا أُرِيدَ بِالْآيَةِ.
وَبَعْدُ، فَهَذِهِ الْآيَةُ نَزَلَتْ فِي شَأْنِ رَمْيِهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ بِقَبْضَةٍ مِنَ الْحَصْبَاءِ، فَلَمْ تَدَعْ وَجْهَ أَحَدٍ مِنْهُمْ إِلَّا أَصَابَتْهُ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ تِلْكَ الرَّمْيَةَ مِنَ الْبَشَرِ لَا تَبْلُغُ هَذَا الْمَبْلَغَ، فَكَانَ مِنْهُ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مَبْدَأُ الرَّمْيِ، وَهُوَ الْحَذْفُ، وَمِنَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى نِهَايَتُهُ، وَهُوَ الْإِيصَالُ، فَأَضَافَ إِلَيْهِ رَمْيَ الْحَذْفِ الَّذِي هُوَ مَبْدَؤُهُ، وَنَفَى عَنْهُ رَمْيَ الْإِيصَالِ الَّذِي هُوَ نِهَايَتُهُ، وَنَظِيرُ هَذَا: قَوْلُهُ فِي الْآيَةِ نَفْسِهَا {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ} ثُمَّ قَالَ: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى} فَأَخْبَرَهُ: أَنَّهُ وَحْدَهُ هُوَ الَّذِي تَفَرَّدَ بِقَتْلِهِمْ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِكُمْ أَنْتُمْ، كَمَا تَفَرَّدَ بِإِيصَالِ الْحَصَى إِلَى أَعْيُنِهِمْ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنْ رَسُولِهِ وَلَكِنْ وَجْهُ الْإِشَارَةِ بِالْآيَةِ: أَنَّهُ سُبْحَانَهُ أَقَامَ أَسْبَابًا ظَاهِرَةً، كَدَفْعِ الْمُشْرِكِينَ، وَتَوَلِّى دَفْعِهِمْ، وَإِهْلَاكِهِمْ بِأَسْبَابٍ بَاطِنَةٍ غَيْرِ الْأَسْبَابِ الَّتِي تَظْهَرُ لِلنَّاسِ، فَكَانَ مَا حَصَلَ مِنَ الْهَزِيمَةِ وَالْقَتْلِ وَالنُّصْرَةِ مُضَافًا إِلَيْهِ وَبِهِ، وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ.
قَالَ: الْجَمْعُ تَعْرِيفُهُ: مَا أَسْقَطَ التَّفْرِقَةَ، وَقَطَعَ الْإِشَارَةَ، وَشَخَصَ عَنِ الْمَاءِ وَالطِّينِ، بَعْدَ صِحَّةِ التَّمْكِينِ، وَالْبَرَاءَةِ مِنَ التَّلْوِينِ، وَالْخَلَاصِ مِنْ شُهُودِ الثَّنَوِيَّةِ، وَالتَّنَافِي مِنْ إِحْسَاسِ الِاعْتِلَالِ، وَالتَّنَافِي مِنْ شُهُودِ شُهُودِهَا، وَهُوَ عَلَى ثَلَاثِ دَرَجَاتٍ: جَمْعُ عِلْمٍ، ثُمَّ جَمْعُ وُجُودٍ، ثُمَّ جَمْعُ عَيْنٍ.
قَوْلُهُ: الْجَمْعُ: مَا أَسْقَطَ التَّفْرِقَةَ هَذَا حَدٌّ غَيْرُ مُحْصِّلٍ لِلْفَرْقِ بَيْنَ مَا يُحْمَدُ وَمَا يُذَمُّ مِنَ الْجَمْعِ وَالتَّفْرِقَةِ، فَإِنَّ الْجَمْعَ يَنْقَسِمُ إِلَى صَحِيحٍ وَبَاطِلٍ، وَالتَّفْرِقَةُ تَنْقَسِمُ إِلَى مَحْمُودٍ وَمَذْمُومٍ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا لَا يُحْمَدُ مُطْلَقًا، وَلَا يُذَمُّ مُطْلَقًا، فَيُرَادُ بِالْجَمْعِ: جَمْعُ الْوُجُودِ، وَهُوَ جَمْعُ الْمَلَاحِدَةِ الْقَائِلِينَ بِوَحْدَةِ الْوُجُودِ، وَيُرِيدُونَ بِالتَّفْرِقَةِ: الْفَرْقَ بَيْنَ الْقَدِيمِ وَالْمُحْدَثِ، وَبَيْنَ الْخَالِقِ وَالْمَخْلُوقِ، وَأَصْحَابُهُ يَقُولُونَ: الْجَمْعُ مَا أَسْقَطَ هَذِهِ التَّفْرِقَةِ، وَيَقُولُونَ عَنْ أَنْفُسِهِمْ: إِنَّهُمْ أَصْحَابُ جَمْعِ الْوُجُودِ، وَلِهَذَا صَرَّحَ بِمَا ذَكَرْنَا مُحَقِّقُو الْمَلَاحِدَةِ، فَقَالُوا: التَّفْرِقَةُ اعْتِبَارُ الْفَرْقِ بَيْنَ وُجُودٍ وَوُجُودٍ، فَإِذَا زَالَ الْفَرْقُ فِي نَظَرِ الْمُحَقِّقِ حَصَلَ لَهُ حَقِيقَةُ الْجَمْعِ.
وَيُرَادُ بِالْجَمْعِ: الْجَمْعُ بَيْنَ الْإِرَادَةِ وَالطَّلَبِ عَلَى الْمُرَادِ الْمَطْلُوبِ وَحْدَهُ، وَبِالتَّفْرِقَةِ: تَفْرِقَةُ الْهِمَّةِ وَالْإِرَادَةِ، وَهَذَا هُوَ الْجَمْعُ الصَّحِيحُ، وَالتَّفْرِقَةُ الْمَذْمُومَةُ، فَحَدُّ الْجَمْعِ الصَّحِيحِ: مَا أَزَالَ هَذِهِ التَّفْرِقَةَ، وَأَمَّا جَمْعٌ يُزِيلُ التَّفْرِقَةَ بَيْنَ الرَّبِّ وَالْعَبْدِ، وَالْخَالِقِ وَالْمَخْلُوقِ، وَالْقَدِيمِ وَالْمُحْدَثِ فَأَبْطَلُ الْبَاطِلِ، وَتِلْكَ التَّفْرِقَةُ هِيَ الْحَقُّ، وَأَهْلُ هَذِهِ التَّفْرِقَةِ هُمْ أَهْلُ الْإِسْلَامِ وَالْإِيمَانِ وَالْإِحْسَانِ، كَمَا أَنَّ أَهْلَ ذَلِكَ الْجَمْعِ هُمْ أَهْلُ الْإِلْحَادِ وَالْكُفْرِ وَالْوَثَنِيَّةِ.
وَيُرَادُ بِالْجَمْعِ: جَمْعُ الشُّهُودِ، وَبِالتَّفْرِقَةِ: مَا يُنَافِي ذَلِكَ، فَإِذَا زَالَ الْفَرْقُ فِي نَظَرِ الْمُشَاهِدِ، وَهُوَ مُثْبِتٌ لِلْفَرْقِ؛ كَانَ ذَلِكَ جَمْعًا فِي شُهُودِهِ خَاصَّةً، مَعَ تَحَقُّقِهِ بِالْفَرْقِ.
فَإِذَا عُرِفَ هَذَا، فَالْجَمْعُ الصَّحِيحُ: مَا أَسْقَطَ التَّفْرِقَةَ الطَّبِيعِيَّةَ النَّفْسِيَّةَ، وَهِيَ التَّفْرِقَةُ الْمَذْمُومَةُ، وَأَمَّا التَّفْرِقَةُ الْأَمْرِيَّةُ الشَّرْعِيَّةُ- بَيْنَ الْمَأْمُورِ وَالْمَحْظُورِ، وَالْمَحْبُوبِ وَالْمَكْرُوهِ- فَلَا يُحْمَدُ جَمْعٌ أَسْقَطَهَا، بَلْ يُذَمُّ كُلَّ الذَّمِّ، وَبِمِثْلِ هَذِهِ الْمُجْمَلَاتِ دَخَلَ عَلَى أَصْحَابِ السُّلُوكِ وَالْإِرَادَةِ مَا دَخَلَ.
قَوْلُهُ وَقَطَعَ الْإِشَارَةَ هُوَ مِنْ جِنْسِ قَوْلِهِ مَا أَسْقَطَ التَّفْرِقَةَ قَالَ أَهْلُ الْإِلْحَادِ: لَمَّا كَانَتِ الْإِشَارَةُ نِسْبَةً بَيْنَ شَيْئَيْنِ- مُشِيرٍ، وَمُشَارٍ إِلَيْهِ- كَانَتْ مُسْتَلْزِمَةً لِلْثَنَوِيَّةِ، فَإِذَا جَاءَتِ الْوَحْدَةُ جَمْعِيَّةً، وَذَهَبَتِ الثَّنَوِيَّةُ؛ انْقَطَعَتِ الْإِشَارَةُ.
وَقَالَ أَهْلُ التَّوْحِيدِ: إِنَّمَا تَنْقَطِعُ الْإِشَارَةُ عِنْدَ كَمَالِ الْجَمْعِيَّةِ عَلَى اللَّهِ، فَلَا يَبْقَى فِي صَاحِبِ هَذِهِ الْجَمْعِيَّةِ مَوْضِعٌ لِلْإِشَارَةِ؛ لِأَنَّ جَمْعِيَّتَهُ عَلَى الْمَطْلُوبِ الْمُرَادِ غَيْبَتُهُ عَنِ الْإِشَارَةِ إِلَيْهِ، وَأَيْضًا فَإِنَّ جَمْعِيَّتَهُ أَفْنَتْهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِشَارَتِهِ، فَفِي مَقَامِ الْفَنَاءِ تَنْقَطِعُ الْإِشَارَةُ؛ لِأَنَّهَا مِنْ أَحْكَامِ الْبَشَرِيَّةِ.
قَوْلُهُ: وَشَخَصَ عَنِ الْمَاءِ وَالطِّينِ، هَذَا يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ.
أَحَدُهُمَا: أَنْ يُرِيدَ بِالْمَاءِ وَالطِّينِ بَنِي آدَمَ، وَنَفْسَهُ مِنْ جُمْلَتِهِمْ، أَيْ شَخَصَ عَنِ النَّظَرِ إِلَى النَّاسِ وَالِالْتِفَاتِ إِلَيْهِمْ، وَتَعَلَّقَ الْقَلْبُ بِهِمْ بِالْكُلِّيَّةِ، وَخَصَّهُمْ بِالذِّكْرِ لِأَنَّ أَكْثَرَ الْعَلَائِقِ، وَأَصْعَبَهَا وَأَشَدَّهَا قَطْعًا لِصَاحِبِهَا هِيَ عَلَائِقُهُمْ، فَإِذَا شَخَصَ قَلْبُهُ عَنْهُمْ بِالْكُلِّيَّةِ، فَعَنْ غَيْرِهِمْ مِمَّنْ هُوَ أَبْعَدُ إِلَيْهِ مِنْهُمْ أَوْلَى وَأَحْرَى.
وَفِي ذِكْرِ الْمَاءِ وَالطِّينِ تَقْرِيرٌ لِهَذَا الشُّخُوصِ عَنْهُمْ، وَتَنْبِيهٌ عَلَى تَعَيُّنِهِ وَوُجُوبِهِ، فَإِنَّ الْمَخْلُوقَ مِنَ الْمَاءِ وَالطِّينِ بَشَرٌ ضَعِيفٌ، لَا يَمْلِكُ لِنَفْسِهِ- وَلَا لِمَنْ تَعَلَّقَ بِهِ- جَلْبَ مَنْفَعَتِهِ، وَلَا دَفْعَ مَضَرَّةٍ، فَإِنَّ الْمَاءَ وَالطِّينَ مُنْفَعِلٌ لَا فَاعِلٌ، وَعَاجِزٌ مَهِينٌ لَا قَوِيٌّ مَتِينٌ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ} وَأَخْبَرَ: أَنَّهُ خَلَقَنَا {مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ} فَحَقِيقٌ بِابْنِ الْمَاءِ وَالطِّينِ أَنْ يَشْخَصَ عَنْهُ الْقَلْبُ، لَا إِلَيْهِ، وَأَنْ يُعَوِّلَ عَلَى خَالِقِهِ وَحْدَهُ لَا عَلَيْهِ وَأَنْ يَجْعَلَ رَغْبَتَهُ كُلَّهَا فِيهِ وَفِيمَا لَدَيْهِ.
وَالْمَعْنَى الثَّانِي- الَّذِي يَحْتَمِلُهُ كَلَامُهُ-: أَنْ يَشْخَصَ عَنْ أَحْكَامِ الطَّبِيعَةِ السُّفْلِيَّةِ النَّاشِئَةِ مِنَ الْمَاءِ وَالطِّينِ، وَعَنْ مُتَعَلِّقَاتِهَا إِلَى أَحْكَامِ الْأَرْوَاحِ الْعُلْوِيَّةِ.
وَلَمَّا كَانَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- بِحِكْمَتِهِ وَعَجِيبِ صُنْعِهِ- قَدْ جَعَلَ الْإِنْسَانَ مُرَكَّبًا مِنْ جَوْهَرَيْنِ: جَوْهَرٍ طَبِيعِيٍّ كَثِيفٍ، وَهُوَ الْجِسْمُ، وَجَوْهَرٍ رُوحَانِيٍّ لَطِيفٍ، وَهُوَ الرُّوحُ، وَمِنْ شَأْنِ كُلِّ شَكْلٍ أَنْ يَمِيلَ إِلَى شَكْلِهِ، وَمِنْ طَبْعِ كُلِّ مِثْلٍ أَنْ يَنْجَذِبَ إِلَى مِثْلِهِ- صَارَ الْإِنْسَانُ يَنْجَذِبُ إِلَى الْعَالَمِ الطَّبِيعِيِّ، بِمَا فِيهِ مِنَ الْكَثَافَةِ، وَإِلَى الْعَالَمِ الرُّوحَانِيِّ بِمَا فِيهِ مِنَ اللَّطَافَةِ، فَصَارَ فِي الْإِنْسَانِ قُوَّتَانِ مُتَضَادَّتَانِ إِحْدَاهُمَا: تَجْذِبُهُ سُفْلًا، وَالثَّانِيَةُ: تَجْذِبُهُ عُلْوًا، فَمَنْ شَخَصَ عَنْ طَبِيعَةِ الْمَاءِ وَالطِّينِ، إِلَى مَحَلِّ الْأَرْوَاحِ الْعُلْوِيَّةِ، الَّتِي لَيْسَتْ مِنْ هَذَا الْعَالَمِ السُّفْلِيِّ؛ كَانَ مِنْ أَهْلِ هَذَا الْجَمْعِ الْمَحْمُودِ، الَّذِي جَمَعَهُ مِنْ مُتَفَرِّقَاتِ النَّفْسِ وَالطَّبْعِ.
قَوْلُهُ: بَعْدَ صِحَّةِ التَّمْكِينِ، وَالْبَرَاءَةِ مِنَ التَّلْوِينِ، وَالْخَلَاصِ مِنْ شُهُودِ الثَّنَوِيَّةِ، مَعْنَاهُ: أَنَّ الْعَبْدَ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَشْخَصَ عَنِ الْمَاءِ وَالطِّينِ إِلَّا بَعْدَ صِحَّةِ تَمَكُّنِهِ فِي الْمَعْرِفَةِ، وَبَرَاءَتِهِ مِنَ التَّلْوِينِ، فَشَرْطُ الشَّيْخِ حُصُولُ التَّمْكِينَ لَهُ، وَانْتِفَاءُ التَّلْوِينِ عَنْهُ، وَخَلَاصُهُ مِنْ شُهُودِ الثَّنَوِيَّةِ.
فَالتَّلْوِينُ: تَلَوُّنُهُ لِإِجَابَةِ دَوَاعِي الطَّبْعِ وَالنَّفْسِ، وَشُهُودُ الثَّنَوِيَّةِ: عِبَارَةٌ مُجْمَلَةٌ مُحْتَمَلَةٌ، وَقَدْ حَمَلَهَا الْمُلْحِدُ عَلَى أَنَّهُ يَشْهَدُ عَبْدًا وَرَبًّا، وَقَدِيمًا وَحَدِيثًا، وَخَالِقًا وَمَخْلُوقًا، وَالتَّوْحِيدُ الْمَحْضُ: أَنْ يَتَخَلَّصَ مِنْ ذَلِكَ بِشُهُودِهِ وَحْدَةَ الْوُجُودِ، وَمَتَى شَهِدَ تَعَدُّدَ الْوُجُودِ كَانَ ثَنَوِيًّا عِنْدَ الْمَلَاحِدَةِ.
وَأَمَّا الْمُوَحِّدُونَ: فَالثَّنَوِيَّةُ الَّتِي يَجِبُ التَّخَلُّصُ مِنْهَا: أَنْ يَتَّخِذَ إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ، فَيَشْهَدَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ، وَأَمَّا كَوْنُهُ شَهِدَ مَعَ اللَّهِ مَوْجُودًا غَيْرَهُ، وَهُوَ مُوجِدُهُ وَخَالِقُهُ وَفَاطِرُهُ: فَلَيْسَ بِثَنَوِيَّةٍ، بَلْ هُوَ تَوْحِيدٌ خَالِصٌ، وَلَا يَتِمُّ لَهُ التَّوْحِيدُ إِلَّا بِهَذَا الشُّهُودِ لِيَصِحَّ لَهُ نَفْيُ الْإِلَهِيَّةِ عَنْهُ، وَإِلَّا فَكَيْفَ يَنْفِي الْإِلَهِيَّةَ عَمَّا لَا يَشْهَدُهُ وَيَشْهَدُ نَفْيَهَا عَنْهُ؟
وَالْمَقْصُودُ: أَنَّ صَاحِبَ الْجَمْعِ إِذَا شَهِدَ رَبًّا وَعَبْدًا، وَخَالِقًا وَمَخْلُوقَاتٍ، وَآمِرًا وَفَاعِلًا مَنَفِّذًا، وَمَحَرِّكًا، وَمَتَحَرِّكًا، وَوَلِيًّا وَعَدُوًّا: كَانَ ذَلِكَ مُوجَبَ عَقْدِ التَّوْحِيدِ.
وَصِحَّةُ التَّمْكِينِ هِيَ حِفْظُ الْأَصْلِ الَّذِي هُوَ بَقَاءُ شُهُودِ الرُّسُومِ فِي مَرْتَبَتِهَا.
وَكَأَنَّهُ نَبَّهَ بِذَلِكَ عَلَى الِاحْتِرَازِ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِي تَخْطِفُهُمْ لَوَائِحُ شُهُودِ الْجَمْعِ، وَتَمَكُّنُهُمْ ضَعِيفٌ، فَيُنْكِرُونَ صُوَرَ الْخَلْقِ، حَتَّى يَقُولَ أَحَدُهُمْ: أَنَا نُورٌ مِنْ نُورِ رَبِّي، لِمَا يَغْلِبُ عَلَى أَحَدِهِمْ مِنْ شُهُودِ الْجَمْعِ، وَعَدَمِ تَمَكُّنِهِ فِي الْبَقَاءِ، وَهَذَا قَدْ يَعْرِضُ لِلصَّادِقِ أَحْيَانًا، فَيَعْلَمُ أَنَّهُ غَالِطٌ، فَيَرْجِعُ إِلَى الْأَصْلِ، وَيُحَكِّمُ الْعِلْمَ عَلَى الْحَالِ، فَإِذَا صَحَا عَلِمَ أَنَّهُ غَالِطٌ مُخْطِئٌ، وَفِي مِثْلِ هَذِهِ الْحَالِ قَالَ أَبُو يَزِيدَ: سُبْحَانِي، وَمَا فِي الْجُبَّةِ إِلَّا اللَّهُ، وَنَحْوَ ذَلِكَ، فَأَخَذَ قَوْمٌ هَذِهِ الشَّطَحَاتِ فَجَعَلُوهَا غَايَةً يَجْرُونَ إِلَيْهَا، وَيَعْمَلُونَ عَلَيْهَا، فَالشَّيْخُ شَرَطَ: أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ شُهُودُ الْجَمْعِ إِلَّا لِمَنْ تَمَكَّنَ فِي شُهُودِ طَوْرِ الْبَقَاءِ.
قَوْلُهُ: وَالتَّنَافِي مِنَ الْإِحْسَاسِ بِالِاعْتِلَالِ.
الِاعْتِلَالُ عِنْدَهُمْ: هُوَ التَّفْرِقَةُ فِي الْأَسْبَابِ، وَالْوُقُوفُ مَعَ الرَّبْطِ الْوَاقِعِ بَيْنَ الْمُسَبِّبَاتِ وَأَسْبَابِهَا، وَذَلِكَ عَقْدٌ لَا يَحِلُّهُ إِلَّا شُهُودُ الْجَمْعِ، وَلَا يَخْفَى مَا فِي هَذِهِ الْعِبَارَةِ مِنَ الْعَجْمِ وَالتَّعْقِيدِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ وَالتَّنَافِي مِنْ شُهُودِ شُهُودِهَا وَمُرَادُهُ: أَنْ يَنْتَفِيَ عَنْهُ شُهُودُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ- الَّتِي ذَكَرَهَا- كُلِّهَا، وَأَنْ يَفْنَى عَنْ هَذَا الشُّهُودِ، فَإِنَّهُ إِنْ لَمْ يَفْنَ عَنْهَا كُلِّهَا، وَعَنْ شُهُودِ فَنَائِهِ، وَإِلَّا فَهُوَ مَعَهَا؛ لِأَنَّهُ يَحِسُّ بِهَا، وَلَا يَقَعُ الْإِحْسَاسُ إِلَّا بِمَا هُوَ مَوْجُودٌ عِنْدَ صَاحِبِ الْإِحْسَاسِ، فَإِذَا غَابَ عَنْ شُهُودِهَا، ثُمَّ عَنْ شُهُودِ الشُّهُودِ: فَقَدِ اسْتَقَرَّ قَدَمُهُ فِي حَضْرَةِ الْجَمْعِ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِكَمَالٍ، وَلَا مَقْصُودٍ فِي نَفْسِهِ، وَلَا يُعْطِي كَمَالًا، وَلَا فِيهِ مَعْرِفَةٌ، وَلَا عُبُودِيَّةٌ، وَلَا دَعَتْ إِلَيْهِ الرُّسُلُ الْبَتَّةَ، وَلَا أَشَارَ إِلَيْهِ الْقُرْآنُ، وَلَا وَصَفَهُ أَهْلُ الطَّرِيقِ الْمُتَقَدِّمُونَ، وَغَايَتُهُ أَنْ يُشَبِّهَ صَاحِبَهُ بِالْغَائِبِ عَنْ عَقْلِهِ وَحِسِّهِ وَإِدْرَاكِهِ، وَغَايَتُهُ: أَنْ يَكُونَ عَارِضًا مِنْ عَوَارِضَ الطَّرِيقِ لَيْسَ بِلَازِمٍ، فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ غَايَةً.
وَلَمَّا جَعَلَهُ مَنْ جَعَلَهُ غَايَةً مَطْلُوبَةً، يُشَمِّرُ إِلَيْهَا السَّالِكُونَ؛ دَخَلَ بِسَبَبِ ذَلِكَ مِنَ الْفَسَادِ عَلَى مَنْ شَمَّرَ إِلَيْهِ مَا يَعْلَمُهُ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْ أَئِمَّةِ هَذَا الشَّأْنِ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ، وَالْعُبُودِيَّةُ الْمَطْلُوبَةُ مِنَ الْعَبْدِ بِمَعْزِلٍ عَنْ ذَلِكَ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.